أضف تعليق

لا للـ « أرثوذكسي »!

يتركز في هذه الأيام الحديث في البرامج السياسية ونشرات الأخبار اللبنانية على قانون الانتخابات. كما كل مرة، يبدأ هذا الحديث في آخر لحظة، قبل أشهر فقط من الاستحقاق الانتخابي.

مشروع القانون الذي تقدم به اللقاء الأرثوذكسي يحتل حيزاً واسعاً من الحوارات والتغطيات الإعلامية. يقوم المشروع على النسبية، مع اعتبار لبنان دائرة انتخابية واحدة، على أن تنتخب كل طائفة ممثليها. هكذا، وفق المشروع، ينتخب الماروني نائبه الماروني، والأرثوذكسي نائبه الأرثوذكسي، والسني نائبه السني، إلى آخره، ما اعتبرته كبرى القوى المسيحية “عادلاً”.

وافق على هذه الصيغة الانتخابية التيار الوطني الحر وتيار المردة وحزب القوات اللبنانية وحزب الكتائب، في حين ازداد الحديث عن موافقة حزب الله وحركة أمل على المشروع. بالمقابل، يرفض تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي المشروع. “المستقبل” يتذرع بسلاح حزب الله. فؤاد السنيورة يرفض “طمس بعض الهواجس عبر خلق هواجس جديدة” (والله أعلم ما تعنيه هذه الجملة). “الاشتراكي” يردد من ناحيته نغمة “هاجسية” مشابهة. بعيداً عن كلام التلفزيونات هذا، يرفض “المستقبل” و”الاشتراكي” النسبية لأنهما سيكونان على الأرجح أكبر ضحاياها، فالتقديرات تقول إن شارعيهما الطائفيين، السني والدرزي، لا يؤيدانهما بالنسبة نفسها التي يؤيد بها الشارع الشيعي مثلاً “الحزب” و”الحركة”.

لكلٍ “هواجسه” التي تجعله يرفض المشروع الأرثوذكسي أو يقبل به. كلٌ يحسب كم كرسياً يؤمّن له هذا المشروع أو ذاك، وقلائل هم مَن يرون في “الأرثوذكسي” خطورته التي تتغذى من طائفية المجتمع.

فوفق هذا المشروع، أنتخب ابن ديني فقط، بل ابن ديني وطائفتي معاً فقط، ما يعني أنه وحده – أي ابن ديني وطائفتي معاً – أهل لتمثيلي. فلنمضِ إذاً في هذا المنطق، حتى نجعل النواب الموارنة دون سواهم ينتخبون رئيس الجمهورية، ولنعطِ النواب الشيعة وحدهم صلاحية انتخاب رئيس مجلس النواب، وليكن للنواب السنة الصلاحية الحصرية في اختيار رئيس مجلس الوزراء! هذا المشروع يفصل بين اللبنانيين ويزيد الشرخ بينهم في خطوة نحو مزيد من تقوقع الطوائف.

من ناحية أخرى، يقول الموافقون على المشروع إنه يضمن “صحة التمثيل” التي يفسرونها بأن ينتخب المسيحيون النواب المسيحيين. والمصيبة هنا، في تفسير “صحة التمثيل” هذه، وهو تفسير طائفي محض، تفسير لا يخفونه على أحد إذ يقولون إنهم يسعون لتحقيق “صحة التمثيل المسيحي”. الأسبقية بالنسبة إليهم هي الطائفة، لا الوطن، وبالتالي فهم لا يبحثون عن “صحة تمثيل اللبنانيين”. تلك، بالفعل، لا يؤمنها مشروع اللقاء الأرثوذكسي في ظل المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. ذلك أن المناصفة تجافي الواقع، فحقيقة الديموغرافيا الطائفية اللبنانية الحالية تعرف أقلية وأغلبية، لا مناصفة. لذا، عندما تختار أقلية دينية من الشعب أربعاً وستين نائباً، وتختار أغلبية دينية العدد نفسه من النواب، يكون للأقلية صوت أكثر قيمة من صوت الأغلبية، ما يعني أن لا مساواة بين اللبنانيين، ما يعني أيضاً أن لا صحة تمثيل بمفهومها الوطني الواسع. وهنا انتقاص من قيمة التمثيل النسبي الذي لن يطبق، إذا أقرّ “الأرثوذكسي”، على مستوى الوطن، بل على مستوى كل طائفة. لو طبقت النسبية الفعلية، أي على مستوى الوطن، في ظل المناصفة، لانتخب مواطنون مسلمون عدداً من النواب المسيحيين، لكن لن يرضى بذلك مَن يدافع عما يراه “حق” المسيحيين.

لكنه ليس حقاًّ! ليس حقاً حصرياً للمسلم أن يمثله مسلم، وللمسيحي أن يمثله مسيحي. لو كان كذلك، واعتمدنا المنطق عينه، لعمّمنا، وقلنا أنّ للملحد حقاً حصرياً في أن يمثله ملحد. لزدنا أنّ للأبيض حقاً حصرياً في أن يكون نائبه أبيض، وللأسوَد حقاً حصرياً في أن يكون نائبه أسوَد. فلنفرض وقتئذٍ أن يكون ممثلو مثليي الجنس مثليين، وتكون ممثلات المحجبات محجبات…

حق اللبناني هو في أن يختار ممثله كما يريد، يختاره مؤمناً لو أراد، أو يختاره ملحداً. يختار ابن دينه أو لا يختاره. يختار أبيض إن أحب، أسود إن أحب. ينتخب مثلياً لو أراد، أو ينتخب محجبة…

حق اللبناني هو أن يعطى حرية الاختيار بعيداً عن كل القيود، ولا سيما منها الدين والطائفة.

يسقط النظام الطائفي.

لا للـ “أرثوذكسي”.

كريم التقي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: